في فترات الانتخابات، لا تتغير فقط الخريطة السياسية، بل تسقط الأقنعة، ويظهر على السطح نوع من الأشخاص لم يكن له صوت قبلها، ولا موقف بعدها.. هؤلاء لا تحكمهم قناعة، ولا يقودهم مبدأ، بل تحركهم البوصلة الأقرب إلى المكسب.. تراهم قبل الانتخابات في صف، ومع أول تغير في اتجاه الرياح ينتقلون إلى الصف المقابل، ثم يبررون انقلابهم باعتباره «مراجعة موقف» أو «قراءة جديدة للمشهد».
اللافت أن بعض هؤلاء ظلوا لسنوات يرفعون شعارات ثابتة، ويتحدثون عن القيم، والالتزام، والوضوح، لكن مع اقتراب الصناديق تحولت المواقف إلى سلعة قابلة للتفاوض، والآراء إلى أوراق ضغط.
لا يدافعون عن فكرة، بل عن فرصة.. ولا يقفون مع مشروع، بل مع الأقرب للفوز، أو الأكثر قدرة على المنح والوعود.. الأخطر أن هذا النوع من المدعين لا يكتفي بتغيير موقفه، بل يسعى لتشويه الآخرين، فيتهم من ثبت على موقفه بالجمود، ومن رفض المساومة بالسذاجة، وكأن السياسة بلا أخلاق أصبحت هي القاعدة، لا الاستثناء.
لكن التجربة الانتخابية تثبت في كل مرة أن الناس أذكى من أن تنخدع طويلًا.. فالشارع قد يغفر الخطأ، لكنه لا يحترم الانتهازية، ولا ينسى من بدّل جلده مع أول اختبار.
الانتخابات ليست فقط اختيار ممثلين، بل اختبار مواقف.
وفي هذا الاختبار، يسقط المدّعون، مهما علت أصواتهم، وتبقى المواقف الحقيقية، حتى لو كانت أقل ضجيجًا.

